الاسحاق بين الانفصال والعودة للوحدة 2-5

تقارير و متابعات
خيارات
الاسحاق بين الانفصال والعودة للوحدة 2-5

كان الدكتور محمد ابراهيم عبدي, قد تناول في دراسة تحت عنوان "صومالي لاند بين الانفصال والعودة للوحدة" ونشرت

في مركز الجزيرة لدراسات بتاريخ 11مارس 2015.وقد مر من خلالها على محطات تاريخية وسياسية شهدها التاريخ الصومالي الحديث, وكان موفقا في تحليله ومراجعه في مواضع عديدة, في حين أخفق في قراءة وتحليل مواضع آخرى, فتوجب أن أشاركه بدوري الحديث والتعقيب على ما جاء في دراساته, لاسيما وأنه كان قد طلب بشكل عام النظر في ما جاء بدراسته, بالإضافة إلى أن قضية الوحدة وما يتصل بها تمثل شأن صومالي رئيسي, وفي هذا الجزء الثاني من التعقيب أستعرض قراءة خمسة فقرات وردت في الدراسة المذكورة.

مبررات الانفصال لدى الشماليين

"يبرر السياسيون انفصال صومالي لاند عن الوطن الأم بعدة مبررات، أولها: أن الوحدة الأولى التي تمت بين الإقليمين عام 1960 كانت قائمة على العواطف القومية الجيَّاشة، ولم توضع أسس واضحة لتقاسم السلطة بين الطرفين، ومن ثَّم استغل الجنوبيون تلك الحالة بتهميش الشماليين سياسيًّا وعدم منحهم حصتهم في مؤسسات الدولة، رغم تضحيتهم الباهظة باستقلال إقليمهم ومبادرتهم غير المشروطة للوحدة مع مقديشو، وثانيها: استهداف حكومة بري بالشمال وتدمير مدنه وتهجير السكان، وضرب المدنيين بمختلف أسلحة الجيش الصومالي الذي كان مفترضًا أن يحميهم.

يذهب البعض أبعد من ذلك ليضيف إلى مبررات الانفصال اختلافًا في الهوية بالقول بأن الشماليين أرقى حضاريًّا من الجنوبيين، وأن الجنوب لم يصل بعد إلى مستوى يمكِّنه من دخول شراكة وطنية معه، وقد وفَّرت حالة الفوضي في مقديشو وبعض المحافظات الجنوبية (وليس الجنوب كله) خلال العقدين الأخيرين، مقابل الاستقرار وبناء هياكل مؤسسات الدولة في صومالي لاند، نموذجًا لإثبات صحة تلك النظرية وترسيخها لدى الرأي العام في الإقليم، وعند تسويق قضية الانفصال لدى الجهات الخارجية. وعلى هذا الأساس يرى القادة السياسيون في الإقليم أن القضية ليست قضية انفصال وإنما هي قضية تراجع وانسحاب عن وحدة فاشلة"(1).

عنوان مبررات الانفصال لدى الشماليين (الفرعي) بحد ذاته هو مجافاة للواقع لحقائق الواقع السياسي الصومالي, وكان الأجدر بالدكتور محمد عبدي ابراهيم, تصويب العنوان ذاته كما هو على أرض الواقع والقول مبررات الانفصال لدى الاسحاقيين, خاصة وأنه قد أشار في عدد من المواضع في دراساته أن من يتمسك بمشروع الانفصال هم الاسحاقيين, ولاسيما وأنه في حال إفتراض وجود رغبة شمالية جامعة مع الانفصال فإن زخم هذا المشروع لكان تقدم بقوة شعبية واضحة, والقول برغبة شمالية في الانفصال فهو إساءة بالغة لأبناء شمال الصومال الرافضين للانفصال, لدى على المثقف الصومالي أن يشخص المشكلة من كل جوانبها حتى يتسنى معالجتها هذا إذا أراد أن يعالجها وأن لا يصب عليها مزيدا من النار الذي لا تحتمله, أو أن يلتزم عدم التطرق إلى الشأن الصومالي إن لم يكن لديه القدرة على التحليل الموضوعي للأمور, فكل كلمة ترمى على عواهنها ولا يتم التدقيق في أبعادها ستأتي بمزيد من الصعوبة في فهم المشاكل الصومالية.

وإن كان هناك من يقول أن هناك اختلافاً في الهوية بين الصوماليين في شمالهم وجنوبهم وبالقول بأن الشماليين أرقى حضارياً من الجنوبيين.........

فالمعلوم على ضوء الوقائع والمواقف القائمة في صومال الدولة الهشة(جمهورية الصومال الديمقراطية سابقا) أن القومية الصومالية عموما لا تتباين في خصائصها الرئيسية من عادات وتقاليد وثقافة ونسق اجتماعي واقتصادي وفكري, ناهيك عن أنهم يتحلون بممارسات التعصب والعنصرية بدرجات متفاوتة, في حين أن الصوماليين الاسحاقيين يأتون على قمة هذا التعصب الاجتماعي ذو البعد السياسي حين يقفون بموقف متفرد من تطلعات التيار الصومالي العام والذي يعاني من تناقضات صراعه ومع ذلك يتمسك بالوحدة الصومالية ولدرجة بديهية وهي أن الصوماليين من خارج الحدود السياسية لصومال يرغبون في أن تشملهم الوحدة الصومالية إن أمكن.

ثم إن كل عوامل الصراعات من التعصب,العنصرية,الفساد السياسي والاحتكام إلى منطق القوة تشمل عموم الصوماليين, فبماذا يتميز الصوماليين الشماليين ومنهم الاسحاقيين كرقي حضاري عن بقية الصوماليين والجنوبيين منهم تحديدا؟ مع عدم إغفال أن هناك كثير من الصوماليين يجدون ذاتهم في مثل هذا الواقع المفروض عليهم سياسيا واجتماعيا, فهل يمكن المساوأة في تقييم الحضاري السلمي ما بين قبائل الجبوية الصومالية,والبانتو والقاطنيين في عموم الصومال الطبيعية من جهة, وبين المجموعات العصبية التي تمارس التعصب العنصري؟

والأمر ذاته ينطبق على الصوماليين البنادريين مع غيرهم من أهل التعصب والعنصرية, بعد مرحلة إنهيار الدولة الصومالية, وهنا أشير إلى وجود نظرة عنصرية وممارسة سابقة من قبل بعض الجماعات البنادرية تجاه بقية الصوماليين, إذ كان البنادريين المنحدرين من أصل يمني يرون ولا زالوا يعتقدون في وجود تمايز حضاري بينهم مع المكونات الصومالية الأخرى وذلك من منظور اجتماعي,وفارق طبقي نسبي كرسته مرحلة الاستعمار الايطالي في الصومال.

وإن نظرنا إلى واقع السلم الأهلي في كل من شمال وجنوب الصومال, فإنه لا يمكن رؤية وجود فوارق جوهرية ما, ويمكن على ضوئها القول بأن هناك رقي حضاري شمالي مقارنة مع صوماليو مناطق الجنوب, فإذا ما كانت هناك إدارة سياسية في بعض مناطق محافظات شمال الصومال واستطاعت أن ترسي حالة استقرار سياسي نسبي في بعض المناطق, أكان عبر الولاء الاجتماعي القبلي أو من خلال واقع الإكراه وفرض القوة المسلحة, فإن مثل هذا النموذج لا يعد من الرقي الحضاري ولاسيما وأن الصوماليين الاسحاقيين يكررون مبرر تعرضهم للإكراه والقوة من قبل النظام الصومالي السابق, فهل نشرت إدارة هرجيسا الانفصالية السلام خارج مناطق الولاء لها؟ أو كرست واقع تنمية اجتماعية واقتصادية خارج دائرة هذا الولاء؟ أم أرست قواعد لممارسة السياسية الديمقراطية مع المختلفين معها سياسيا في شمال الصومال؟

وفي ظل هذا الواقع في شمال الصومال, ترى ما هي أبعاد التميز والرقي الحضاري المزعوم مع جنوب الصومال؟

"أما عملية الاستقرار وبناء المؤسسات التي تمت في صومالي لاند مؤخرًا فإنها تستحق الإشادة والاقتداء، فأي تقدم يحققه جزء من الصومال الكبير إنما هو نصر للصوماليين جميعًا، ولكنه ليس من المنطق أن يكون ذلك مبررًا للانفصال عن الوطن والهوية والتاريخ، ومن جانب آخر فإن هناك مناطق أخرى في الجنوب تحظى بنفس القدر من الاستقرار كما هي الحال في بونت لاند. وهناك تعقيدات ديمغرافية وسياسية في الجنوب دون الشمال، أسهمت في إبقائه في صراع داخلي مع نفسه حينًا، ومع دول الجوار حينما تتقاطع مصالحها مع مصالح بعض الأطراف في الجنوب حينًا آخر"(2).

التاريخ الصومالي المعاصر يؤكد على غياب هياكل إدارية لمشروع الانفصال في عموم شمال الصومال, وأن هذه الهياكل المزعومة هي محصورة في دائرة مناطقية واجتماعية معينة من شمال الصومال وهي تعمل بموجب النسق الاجتماعي القبلي أكثر مما تمارس البرامج السياسية حتى في أوساط الموالين لها اجتماعيا, وهذا ما يمثل بأحد مسببات ذهاب الكثير من السياسيين الاسحاقيين للمشاركة في الحكومة الاتحادية الصومالية, فالقبيلة يمكنها أن تصنع مشروع سياسي غير انساني, إلى أنه لايمكنها تكريس دولة مواطنة وممارسة ديمقراطية, فالمنطق القبلي أياً كان إنعزالي ولا يمكنه أن يلبي تطلعات وحاجات مجتمع انساني.

"وأخيرًا، فإن التجربة الديمقراطية التي يتفاخر بها قادة صومالي لاند (ويحق لهم ذلك) والتي يذكرونها غالبًا في سياق خلق تمايز حضاري في الإقليم عن غيرهم من أبناء جلدتهم –ما هي إلا نموذج مصغر من التجربة الديمقراطية لحكومة الاستقلال والوحدة في عقدها الأول، وشارك في صناعتها الطرفان، وكانت تجربة فريدة في القارة الإفريقية التي سادتها في تلك الفترة الانقلابات العسكرية، ووصف العالم الإفريقي علي المزروعي الصومالَ في تلك الفترة بأنها كانت "واحدة من أكثر الدول ديمقراطية، ليس في إفريقيا فحسب بل في أي مكان في العالم"(3).

ترى ما هي التجربة الديمقراطية التي يتفاخر بها قادة إدارة هرجيسا الانفصالية والتي يقول الدكتور محمد ابراهيم عبدي يحق لهم ذلك؟ هل يعني بذلك ما كرسه الكنتون الاجتماعي الإنعزالي المرتبط بالإدارة الانفصالية؟ وفي ظل واقع تاريخي تسوده الحروب الأهلية والسياسية,الفساد السياسي والإداري,العصبية والعنصرية مع رافضي مشروع الانفصال,الفقر القائم في شمال الصومال, وهي العوامل التي تدفع الصوماليين في المنطقة الشمالية إلى الهجرة خارج وطنهم والموت في البحار والصحاري والتعرض لكل صور المعاناة الانسانية.

ورغم كون إدارة هرجيسا الانفصالية من أبرز الكنتونات السياسية الإنعزالية في الصومال والتي تتحصل على الدعم المادي الخارجي, وفي ظل عدم قدرة قضاء الإدارة الانفصالية معالجة حالات التعدي على صوماليي الجبوية والذين يعيشون معاناة تاريخية تقع عليهم من قبل عموم الصوماليين ومع إدارة هرجيسا بصورة خاصة, ويتم تصويب السلاح إلى صدور الجبوية والعمل على إلغائهم في السجون من قبل إدارة هرجيسا الانفصالية كلما أحتجوا مطالبين بحقوقهم الانسانية في شمال الصومال, ناهيك عن العنف الممارس مع كل من قبائل الدارود والجدابيرسي وغيرهم, بالإضافة إلى التعدي على أبناء قبائل الاسحاق بطرفيهم المؤمن بعدم جدوى تمزيق الصومال أو المتوجه إلى مقديشو بفعل حسابات المصلحة الشخصية.

فكل هؤلاء كلما طالبوا بحقوقهم الاجتماعية والسياسية أو التنموية تعرضوا لصور مختلفة من التعدي, كما أن الإدارة الانفصالية القائمة في بعض مناطق شمال الصومال تتلقى الكثير من الدعم المالي والسياسية والأمني الخارجي تحت مبرر إنها المسؤولة عن تسيير أوضاع شمال الصومال.وهو ما ينطبق على عموم الكنتونات الإنعزالية في الصومال والتي ترفع شعار خدمة من تدعي تمثيلهم سياسيا, وهذا ما ينطبق على مكتب الرئاسة النظرية في الصومال منذ إنهيار الدولة الصومالية في عام 1991, إلى أن كل ذلك لا يسهم في تغيير حياة الصوماليين بقدر ما ينتهي إلى صالح قوى السيطرة والاستبداد في الصومال عموما.

هوامش:

1- صومالي لاند ما بين الانفصال والعودة إلى الوحدة,د.محمد ابراهيم عبدي,مركز الجزيرة لدراسات,11مارس2015.

2- نفس المصدر,نفس الكاتب.

3- نفس المصدر.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة