أَثَرُ العَلاقَاتِ الإِسْلاميَّةِ المَسِيحيََّةِ عَلَى وُحْدَةِ السُّودَان!

شؤون اجتماعية
خيارات
أَثَرُ العَلاقَاتِ الإِسْلاميَّةِ المَسِيحيََّةِ عَلَى وُحْدَةِ السُّودَان!

(1)

المعالجة الحاسمة لأغلب قضايا السُّودان الاقتصاديَّة السِّياسيَّة، والاجتماعيَّة الثَّقافيَّة، تتوقَّف، بالدَّرجة الأولى، على إرساء مداميك

"الوحدة الوطنيَّة"؛ ولا شكَّ في أن حلحلة معظم أسئلة هذه "الوحدة" إنَّما ترتهن ببسط "السَّلام الشَّامل"؛ غير أن تحقيق هذا "السَّلام" يبقى معلقاً، بالأساس، وضمن الكثير من المسائل، على شرط ترميم شروخات "التَّعايش الدِّيني" في هذا البلد، خصوصاً بين مسلميه ومسيحيِّيه.

وبرغم ما يبعث على القلق المشروع إزاء تردِّي هذا "التَّعايش"، بوجه مخصوص منذ استيلاء حزب الإسلامويِّين على السُّلطة بانقلابه العسكري في الثَّلاثين من يونيو 1989م، إلا أن خبرة التَّاريخ أرتنا ما ظلَّ يشهده، في ما مضى، "تَّعايش" هاتين الكتلتين من درجات الانتعاش والازدهار، كلما اقترن ذلك بمستويات عالية من وعي الجَّماعة المسلمة بالقيمة الرَّفيعة لوجود الجَّماعة المسيحيَّة، ومشاركاتها، ومساهماتها، على مختلف الأصعدة، جنباً إلى جنب مع غيرها من الجَّماعات الدِّينيَّة والثَّقافيَّة ضمن منظومة التَّنوُّع السُّوداني. بعبارة أخرى، يزدهر تعايش الدِّيانتين، وتساكنهما، وتعزيزهما لقضيَّة "السَّلام"، كلما ارتفع تقدير الجَّماعة المسلمة لدور الجَّماعة المسيحيَّة على هذا الصَّعيد، والعكس صحيح، تماماً، كلما وقع التَّقليل من هذا الدَّور.

(2)

وقد تكفي نظرة، ولو عجلى، إلى تعاليم الدِّيانتين، لملاحظة المعنى المشـترك بين القرآن الكريم، حيث يتَّخذ الحقُّ عـزَّ وجلَّ "السَّـلام" اسماً له: "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السَّـلام" (الحشـر؛ 23)، وبين الكتاب المقـدَّس حـيث "الله هو إله السَّلام .. منه السَّلام وإليه السَّلام وبه السَّلام". وكذا لملاحظة النسب الرُّوحي الوثيق بين "السَّلام" و"العمل الصَّالح" و"العدالة الاجتماعيَّة" في الحديث الشَّريف: "ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" ـ رواه الطبراني عن أنس بن مالك (رض) ـ أو في قـول عمـر بن الخـطاب (رض): "ولانا الله عـلى الأمَّـة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم"، وبين المواعظ الكنسيَّة التي تحضُّ على فضيلة "ألا يجوع واحد فينا بينما الآخر يتخم من الشَّبع .. ولا ينام أحدنا وهو جائع أو مظلوم". كذلك بين قوله تعالى: "ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمَّة ونجعلهم الوارثين" (5 ؛ القصص)، وبين بشارة الكتاب المقدَّس: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض". وأيضاً بين تشديد التَّعاليم الكنسيَّة على أن "السَّلام" يعطى سعادة كاملة تكمن في عدالة التَّوزيع، والرِّضا، وتشديد التَّعاليم القرآنيَّة على "العدالة الاجتماعيَّة" كأحد أهـمِّ مقاصـد الإسلام الكـليَّة، ومن ذلـك إدراجها "الإنفـاق"، كوسـيلة لإعـادة توزيـع الثَّروة، ضمن عناصر "التَّقوى"، والمساواة بينه وبين "الإيمان" و"الصَّلاة" كما في قوله: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتَّقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصَّلاة ومِمَّا رزقناهم ينفقون" (2 ـ 3 ؛ البقرة). وأيضاً جَعْـلُ هذا "الإنفاق" من وجوه "الخير" التي يُجزى عليها، بقوله: "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السَّبيل وما تفعـلون من خـير فإن الله به عليم" (215 ؛ البقرة). وكذلك المطابقة بين المفهومين القرآنيَّين لـ "الخير" و"العمل الصالح" في قوله: "والباقيات الصَّالحات خير عند ربِّك ثواباً وخير أملاً" (46 ؛ الكهف)، وفى تفسير القرطبي عن ابن عباس أن "الباقيات الصَّالحات" هنَّ كلُّ "عمـل صالح" من قول أو فعل.

وإذن فإن "السَّلام"، بجذره الضَّارب في أعمق قيم "الخير" و"العمل الصَّالح" و"العدالة الاجتماعيَّة"، هو الجَّوهر المشترك بين الدِّيانتين.

على صعيد آخر، ومع إعلاء الإسلام لفضيلة العفو والصُّفح، وحضِّ المسيحيَّة على "إدارة الخدِّ الأيسر"، فإن هذه القيم ذات الصِّلة الوثيقة بـ "السَّلام" لا تتحقَّق بغير استيفاء أشراطها واستحقاقاتها الموضوعيَّة. فـ "العفو"، في الإسلام، لا يكون فضيلة إلا بعد توفُّر شرط "الاقتدار" على نقيضه، وتلك هي دلالة "العفو عند المقدرة". وفي المسيحيَّة أيضاً يطرح القسُّ الجنوبأفريقي ديزموند توتو فهماً عصريَّاً لفضيلة "الصُّفح" بإسهامه، ضمن مشروع "الحقيقة والمصالحة"، في اجتراح معالجة الجِّراح المزمنة في ذلك البلد. فالشَّرط الأساسي لذلك المشروع هو حصول الضَّحايا على اعترافات واعتذارات صريحة وعلنيَّة من جلاديهم، في ما يشبه طقس "التَّطهُّر الكنسي"، أو ما يستوفي، في الإسلام شرط تعديل المواقف، بحيث يصبح الضَّحايا في وضعيَّة "القدرة" على أخذ جلاديهم باعترافاتهم، فتنفتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالات العفو، حين تطيب النفوس المكدودة، ويسكن الألم النَّابح، ولا تتبقى سوى الموعظة التَّاريخيَّة كضمانة لعدم تكرار ذلك مستقبلاً. أما الجَّلاد الذي يرفض الاعتراف فلا يعود أمامه سوى المثول أمام القضاء المستقل، كي ينهض حكم القسط، وفق هذا النَّمط الكلاسيكي من الانتصاف، على ساقيه، وتأخذ العدالة مجراها.

وهكذا فإن "السَّلام"، في الدِّيانتين، لا يكون حقيقيَّاً، ولا مستداماً، بغير توفُّر أهمِّ أشراطه واستحقاقاته، والتي هي أبعد ما تكون عن مجرَّد التَّسليم المجَّاني بالأمر الواقع!

(3)

وبما أن "السَّلام" يمثِّل، بطبيعته، علاقات صراع اجتماعي، وأن التَّعاليم المقدَّسة لا تشتغل، في مستوى هذه العلاقات، إلا من خلال التَّركيبة الذِّهنيَّة والنَّفسيَّة التي تفرز قناعات المؤمنين وتصوُّراتهم عن الذَّات والآخر، وفق معطيات الظرف التَّاريخي، الاقتصادي السِّياسي، والاجتماعي الثقافي المحدَّد، فإنه لا يكفى، لتقييم دور هذه الجماعة الدِّينيَّة أو تلك من قضية "السَّلام"، محض الاقتصار على اجترار النُّصوص، بل لا بُدَّ من مداخل سوسيو ـ ثقافية أوثق صلة بقناعات المؤمنين.

(4)

وقد ينصرف الذِّهن، لدى ذكر "المجموعات المسيحيَّة" السُّودانيَّة، إلى الطوائف الثَّلاث: الكاثوليكيَّة، صاحبة الكنيسة الأقدم، والبروتستانتيَّة أو الأنجيليكانيَّةَّ، ثم القبطيَّة الأرثوذكسيَّة. ولثلاثتها وجود في الشَّمال، وفي الوسط، وفي جبال النُّوبا، مع تمركز الثِّقل الأساسي للكاثوليكيَّة في الجَّنوب "سابقاً". كذلك قد ينصرف الذِّهن إلى كيانات النَّشاط الاجتماعي المؤسَّسي للمسيحيِّين، خصوصاً الأقباط، كالنَّادي القبطي، والمكتبة القبطيَّة، وجمعيَّات أصدقاء الكتاب المقدَّس، وما إلى ذلك. لكن، رغم كلِّ الاختلافات المائزة لهذه الطوائف والكيانات، ورغم الأدوار السَّالبة لبعض المبشِّرين الأجانب، والمرارات التي أفـرزتهـا اسـتراتيجـيَّـات الإدارة الاسـتعـمـاريَّـة، أو أخـطـاء الحـكــم الوطـنـي المهـدوي (1885م ـ 1898م)، أو الدَّولة الوطنيَّة الحديثة بعد تحقيق الاستقلال السِّياسي عام 1956م، فإن المهم ليس اجترار السَّلبيَّات، وإنما تأكيد الإيجابيَّات التي يفترض التَّأسيس عليها لإصلاح البناء الوطني.

(5)

وعلى هذا الصَّعيد ثمَّة حقائق ثلاث أساسيَّة: أولاها استمرار انسياب خيط الأثر المسيحي، برغم زوال الممالك المسيحيَّة قبل قرون، متخللاً قماشة الثَّقافات السُّودانيَّة حتى اليوم، في شتَّى طقوس الولادة، والزَّواج، والموت، وخلافه؛ وثانيتها البُعد الاجتماعي والإنساني للأنشطة المؤسَّسيَّة للطوائف المسيحيَّة؛ وثالثتها إسهامات رموز المسيحيِّين السُّودانيِّين، منذ مطالع القرن الماضي، في مختلف حقول النَّشاط المدني، السِّياسي والثقافي والاجتماعي والرِّياضي. فلئن كانت "الوحدة الوطنيَّة" تشكِّل فضاء تأثير هذه القيم، فمن واجب الجَّماعة المسلمة إجلاء المشترك الدَّاعم لهذه "الوحدة" في الوعي الاجتماعي، كترياق مضادٍّ للاستعلاء، ومضادٍّ للنَّبش عن "الفروق" التي لا تستهدف الوعي بـ "التَّمايز" المشروع، وإنَّما دفع الآخر، دفعاً، لـ "الانكماش"، ضمن كابوس عدم الاطمئنان بالوطن، الأمر الذي ترتَّبت عليه موجات متلاطمـة من هجـرات الدياسبورا إلى صقيع المنافي الاختياريَّة!

لذا، وفى سبيل ما "يجمع"، لا ما يفرِّق، وما يجعل المجموعات المسيحيَّة تستعيد دورها في المبادأة بالفعل الإيجابي، فإن من واجبنا، علاوة على إبراز القيم المشتركة في الدِّيانتين، التَّمهيد لإعادة الاعتبار للحقائق المار ذكرها، تأسيساً على فرضيَّة أن التَّثاقف الطبيعي ظلَّ دائماً، وحتف أنف السَّلبيَّات، رُمَّانة الميزان في علاقات المسلمين والمسيحيِّين، مِمَّا يجدر الطرق عليه بقوَّة، كونه الأرسخ في تشكيل بنية الوعي الاجتماعي، والأعمق تأثيراً، من بوَّابة الثَّقافة، على "السَّلام" المستدام و"الوحدة الوطنيَّة" المأمولة، خصوصاً بالنِّسبة للأجيال القادمة، إذ لا بديل لذلك، في رأينا، غير الاستسلام لسحائب من اليأس المتراكم بعضه فوق بعض، كقطع الليل البهيم!

كمال الجزولي

المصدر:الحوار المتمدن

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة
أكتوير 02, 2018
Default Image
آراء و أفكار 72 خالد حسن يوسف

مهمشي الصومال ضحايا مجتمع،دولة ودين