الارهاب وازدواجية المعايير

حقوق الانسان
خيارات
الارهاب وازدواجية المعايير

يروي ان قرصانا وقع في اسر الكسند الاكبر، فساله "كيف تجرؤ على ازعاج العالم؟" فاجاب القرصان " لانني افعل بسفينة صغيرة ادعى لصا، و

انت الذي تفعل باسطول بحري، يقال عنك امبراطورا"

هذه الاجابة البسيطه للقرصان، تصلح لان تكون الوصف الحقيقي لواقع الارهاب في العالم الحقيقي، بحيث استطاع هذا القرصان بكلماته البسيطه فضح ازواجية المعيار عند الامبراطور.

في حقيقة الامر، فللارهاب معنيان، معنى نظري يتفق عليه الجميع، و يتمثل باستمعال العنف او التهديد باستعماله ضد المدنيين لاغراض سياسية او ايدلوجية في الغالب، و معنى اخر، عملي، تحاول الامبراطوريات الكبرى دوما تكريسه، بحيث يصبح ما يمارسه الاخرون ارهابا، بينما ما تفعله الامبراطورية ليس ارهابا، و انما يعطي اسماءا اخرى، مثل "الدفاع عن العدوان" او " ضربات استباقية شرعية" لصد عدوان محتمل، و هذا بالضبط ما تمارسه الولايات المتحدة الامريكية، و قوى الارهاب الدولي التي تدور في فلكها.

فامريكا اليوم تمارس نفس الازدواجية التي مارسها الامبراطور الكسندر ضد القرصان الصغير، حيث توصف بالاعمال الوحشية التي تقوم بها القراصنة الصغيرة، امثال حركات التطرف الاسلامي ارهابا ( وهي محقه في هذا الامر)، الان ان ما تقوم به هي من ارهاب للعالم باسره، لا تسميه ارهاب، و انما تعطيه اوصافا رنانة، كتلك التي ذكرناها في الاعلى، الغرض منها خداع الراي العام العالمي، و في هذا الصدد لا احد في العالم يجرؤ على وصف الاعمال الوحشية التي ترتكبها امريكا و حلفائها في حق البشرية جمعاء بالارهاب، لانها ببساطة استطاعت تزييف الوعي العالمي عن طريق ما يسميه المفكر الامريكي اليساري الكبيري ذو الاصول اليهودية نعوم تشومسكي بالية "التحكم بالفكر" و التي من خلالها امريكيا حددت حدود المسموح بالتفكير، عن طريق سيطرة و تشيكل الاعلام العالمي، و تحديد المصطلحات المستخدمة لديه، بما يتوافق مع ايدلوجيتها السياسية، بحيث يصبح من يخرج على هذه الحدود مثيرا للسخرية، و يوصف باوصاف مثل رجعي، شيوعي متطرف، او حتى اسلامي اصولي.

في واقع الامر، امريكا تمكنت من اعادة تشكيل كثير من المفاهيم امثال "الارهاب" ، "التطرف"، و "الاعتدال" عن طريق هذه الالية، بما يتوافق مع مقتضيات سياستها العملية الارهابية، و قد حققت نجاحا باهرا في هذا الامر،

و في هذا الصدد نرى ان معظم المؤسسات الاعلامية، و كذالك المعاهد العلمية المختصة بدراسة ظاهرة الارهاب مثل معهد"Institute for economics and peace" المختص باعداد تقارير سنوية لظاهرة الارهاب الدولي و مؤشراته، تدور في اطار مفهوم الارهاب الذي وضعته امريكا، و تحاول تكريسه، بحيث لا نرى اي ذكر في تقاريها للارهاب الذي ترتكبها امريكا و حليفتها الابرز في الارهاب "اسرائيل" ضد الشعوب الاخرى، و بالاخص الشعب الفلسطيني المظلوم، و حتى المؤسسات الدولية بما فيها الامم المتحدة، لا تخرج عن هذا الاطار.

و بالتالي، و بناء على هذه الرؤية، فمشكلة الارهاب لن يكون بامكان البشرية تجاوزها، و ايجاد حلول ناجعة لها، ما لم يتم معالجة هذه الازدواجية في البداية، لان ارهاب الاباطره هو اصل و منبع مشكلة الارهاب باكملها، اما ارهاب القراصنه، و التي يركز العالم جهوده كلها في معالجته، فهي في حقيقة الامر لا تعدو سوى كونها ظاهرة هامشية.

في ختام هذا المقال البسيط، يجدر الذكر، بان الازدواجية ليست في تعريف مفهوم الارهاب نظريا، و انما تكمن دوما في الاستخدام العملي له، و بالتالي ينبغي الحل ان يكون عمليا، بدل التركيز على التنظير في المفهوم.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة